الغزالي

41

الأربعين في اصول الدين

المصري كان محبوسا جائعا ، فبعثت إليه امرأة صالحة من طيّب مالها طعاما على يد السجان ، فلم يأكل منه واعتذر أنه جاءني على طبق ظالم أي يد السجّان . ومن ذلك أن بشر الحافي كان لا يشرب الماء من الأنهار التي حفرها السلاطين . وأطفأ بعضهم سراجا أشعله غلامه من بيت ظالم . وشرب بعضهم دواء فأشارت إليه امرأته بالمشي والتردد ، فقال : هذه مشية لا أعرف لها وجها ، وأنا أحاسب نفسي على جميع حركاتي . وهذه رتبة أقوام وفوا بقوله تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] ، فعدّوا كل ما لم يكن للّه تعالى حراما . وليس هذا من عشّك « 1 » وعش ناصحك ، فادرج واجتهد أن تفيء بورع العدول الذي تفتي به الفقهاء . نعم ينبغي أن تضيف إليه شيئين : أحدهما أن تحذر عن مواقع غرورهم ، ولا تلتفت إلى قولهم : « من وهب في آخر السنة ماله زوجته ، واستوهب منها مالها ، سقطت الزكاة عنهما » . فإنهم إن عنوا به أن السلطان لا يطالبهم بالزكاة ، لأن مطمح نظره ظاهر الملك فهو صدق ؛ ودرجة الفقهاء وفتواهم ذكر ما يتعلق بالظواهر فيحكمون بالبراءة عن الزكاة إذا سقط طلب الساعي ، ويحكمون بصحة الصلاة إذا امتنع القتل على السلطان بجريان صورة الصلاة « 2 » ؛ إذ ليس بأيديهم من القوانين إلا القانون الذي يستعمله السلطان في السياسة لينتظم أمر المعيشة الدنيوية التي هي منزل من منازل الطريق كما سبق . وأما أنت ، إذا كنت تنظر فيما ينفعك غدا عند جبّار الجبابرة ، وسلطان السلاطين ، فلا تلتفت إلى هذا ، واعلم أن مقصود الزكاة إزالة رذيلة البخل فإنه مهلك كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ثلاث مهلكات : شحّ مطاع ، وهوى متّبع ، وإعجاب المرء بنفسه » . وهبة مال الزكاة لأجل درء الزّكاة ، تجعل الشحّ مطاعا ، فإنه يصير مطاعا بإجابته إلى ما يقتضيه . وقبل هذا لم يكن مطاعا ، فكيف يكون ذلك منجيا ؟ وكذلك من يسيء معاشرة زوجته حتى تنفكّ له من المهر ، فلا يحل له المهر بينه

--> ( 1 ) العش : المطلب . ( 2 ) العبارة التي أولها « فإنهم ان عنوا الخ . . صورة الصلاة » وردت هكذا في النسخة التي بين أيدينا ، وهي عبارة - كما ترى - مهزوزة .